الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

20

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكلام على السماء الدنيا ولما ذا وصفت بالدنيا وعن الكواكب تقدم في أول سورة الصافات . وسميت النّجوم هنا مصابيح على التشبيه في حسن المنظر فهو تشبيه بليغ . وذكر التزيين إدماج للامتنان في أثناء الاستدلال ، أي زيّناها لكم مثل الامتنان في قوله : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ في سورة النحل [ 6 ] . والمقصد : التخلص إلى ذكر رجم الشياطين ليتخلص منه إلى وعيدهم ووعيد متبعيهم . وعدل عن تعريف ( مصابيح ) باللام إلى تنكيره لما يفيده التنكير من التعظيم . والرجوم : جمع رجم وهو اسم لما يرجم به ، أي ما يرمي به الرامي من حجر ونحوه تسمية للمفعول بالمصدر مثل الخلق بمعنى المخلوق في قوله تعالى : هذا خَلْقُ اللَّهِ [ لقمان : 11 ] . والذي جعل رجوما للشياطين هو بعض النجوم التي تبدو مضيئة ثم تلوح منقضّة ، وتسمى الشهب ومضى القول عليها في سورة الصافات . وضمير الغائبة في جَعَلْناها المتبادر أنه عائد إلى المصابيح ، أي أن المصابيح رجوم للشياطين . ومعنى جعل المصابيح رجوما جار على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة كقوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 85 ] وقول العرب : قتلت هذيل رضيع بني ليث تمّام بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب . وجعل بعض المفسرين الضمير المنصوب في جَعَلْناها عائد إلى السَّماءَ الدُّنْيا على تقدير : وجعلنا منها رجوما إما على حذف حرف الجر . وإمّا على تنزيل المكان الذي صدر منه الرجوم منزلة نفس الرجوم فهو مجاز عقلي ومنه قوله تعالى : فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها في سورة البقرة [ 66 ] ولكنها على جعل الضمير المنصوب راجعا إلى القرية وإن لم تذكر في تلك الآية ولكنها ذكرت في آية سورة الأعراف [ 163 ]